حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
375
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
مقدمة لما أراد من نسخ القبلة ، وثانيها عن ابن عباس : لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت ردا عليهم . وثالثها قول أبي مسلم : إن كلا من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد اللّه عليهم ، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه تعالى صعد السماء من الصخرة ، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [ مريم : 16 ] فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن ، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق ؟ ورابعها : قول قتادة وابن زيد : إن اللّه تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية ، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس ، ثم إنه تعالى نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة . وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء . وسادسها : روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة ، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا ، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه هذه الآية عذرا لنا في خطئنا . وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة ، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة . وسابعها : عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته ، وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة . فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه اللّه ، أي فقد صادفتم رضاه إن اللّه واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة ، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة . فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج ، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة ، وعلى الوجه الرابع منسوخة ، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة . وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضا فقيل : الخطاب في تُوَلُّوا للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم . عن قتادة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم » فنزلت وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [ آل عمران : 199 ] الآية . فقالوا : إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي . فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي ، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] وعن الحسن ومجاهد